عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
431
اللباب في علوم الكتاب
بحيث يتولّى الصّالحين ، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكن صالحة للإلهية . القول الثاني : أنّ هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشركين الذين يدعون غير اللّه يعني أنّ الكفار كانوا يخوفون رسول اللّه وأصحابه ، فقال تعالى : إنهم لا يقدرون على شيء بل إنهم قد بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أعظم أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا ذلك بعقولهم البتة . فإن قيل : لم يتقدّم ذكر المشركين ، وإنما تقدّم ذكر الأصنام فكيف يصح ذلك ؟ والجواب : أن ذكرهم تقدم في قوله تعالى : قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ [ الأعراف : 195 ] . قوله : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ فإن حملنا هذه الصفات على الأصنام فالمراد من كونها ناظرة كونها مقابلة بوجهها وجوه القوم من قولهم : جبلان متناظران أي : متقابلان ، وإن حملناها على المشركين أي إنهم وإن كانوا ينظرون إلى النّاس إلّا أنهم لشدّة إعراضهم عن الحقّ لم ينتفعوا بذلك النّظر ، والرّؤية ؛ فصاروا كأنّهم عمي . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 199 إلى 203 ] خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 ) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ( 202 ) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 203 ) قوله : « خذ العفو » . قال عبد اللّه بن الزّبير : أمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأخذه العفو من أخلاق النّاس . قال مجاهد : يعني خذ العفو من أخلاق النّاس وأعمالهم من غير تجسّس وذلك مثل قبول الاعتذار ، والعفو المتساهل ، وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك « 1 » . روي أنّه لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل : ما هذا ؟ قال : لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال : « إنّ اللّه يأمر أنّ تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمّن ظلمك » « 2 » . قال العلماء : تفسير جبريل - عليه الصّلاة والسّلام - مطابق للفظ الآية ؛ لأنّك إن وصلت من قطعك فقد عفوت عنه ، وإن أعطيت من حرمك فقد أتيت بالمعروف ، وإذا عفوت عمّن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين . وقال ابن عبّاس ، والسديّ ، والضحاك ، والكلبيّ : المعنى خذ ما عفا لك من
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 152 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 154 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 280 ) وزاد نسبته لابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ .